جولة داخل معسكر احتجاج مزارعى الهند

هذب ملابسه البالية ونفض عنها الغبار، أعاد ضبط عمامته الخضراء التى لمع لونها تحت شمس الصباح، ووقف المزارع الهندى البسيط وسط حشد كبير من زملائه المزارعين، وكأنه يستعد لأن يلقى عليهم خطبة تاريخية، وبصوت جهورى صاح قائلا: «سنبقى هنا خمس أو عشر سنوات، مهما كلف ذلك الأمر!»‫.‬


‎لم يكد المزارع الهندى «سوريندر سينج»، ينهى كلماته حتى تم استقبالها بالتأييد والتصفيق الحار، من الحشود التى تجمعت لتناول الإفطار فى جناح الشاى الذى أعده سينج على ذوقه الخاص‫.‬ فالمزارع الصغير ترك البنجاب، ولايته الشمالية التى تعرف باسم «سلة خبز الهند» بسبب صناعة إنتاج الغذاء الكبيرة فيها، واتجه إلى مخيم سينجو، أحد معسكرات الاحتجاج الثلاثة الرئيسية فى ضواحى العاصمة الهندية نيو دلهي، ليلحق بزملائه المزارعين الذين اتخذوا، منذ نوفمبر الماضي، هذا المعسكر مكانا رئيسيا للاحتجاج، ضد ثلاثة قوانين مثيرة للجدل تتعلق بالزراعة، مرّرها البرلمان الهندى فى سبتمبر الماضي، بمباركة رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، حيث جاء المزارعون من مختلف الولايات الهندية مثل البنجاب وهاريانا وأوتار براديش وجوجارات، بالجرارات والشاحنات، وأقاموا معسكرات على طول الطرق السريعة، وسدوا الشرايين الرئيسية المؤدية إلى المدينة، واتخذوا من مقطورات جراراتهم الزراعية منازل خاصة بهم، لضمان بقائهم فترات طويلة.

‎وفقا للحكومة، فإن القوانين تهدف إلى تشجيع الاستثمارات الخاصة فى قطاع الزراعة, والذى يمثل 16% من حجم الاقتصاد فى البلاد, وتقول الحكومة، إن هذه القوانين تعتبر أكبر طفرة فى مجال الإصلاح الزراعى الشامل فى البلاد منذ عقود, لكونها ستجلب التحديث الضرورى والمنافسة الخاصة لقطاع مريض ترك ملايين المزارعين معدمين‫.‬ لكن على الجانب الآخر, يعترض المزارعون بشدة على هذه القوانين الجديدة التى تم تمريرها دون استشارتهم, حيث إنه بموجبها سيسمح لهم بالبيع بشكل مباشر للشركات الخاصة، عوضا عن البيع عبر أسواق الجملة التى تنظمها الحكومة, وهذا من شأنه إعطاء الفرصة للشركات الخاصة للتحكم فى أسعار المحاصيل، مما يجعلهم تحت وطأة تقلبات السوق الحر, وهو ما اعتبره المزارعون «خصخصة» للقطاع الزراعي, مما يهدد سبل العيش بالنسبة لهم.

«لقد ولدت على أرضى, وكان والدى أيضا مزارعا», هكذا قال سينج لصحيفة «جارديان» البريطانية, مرددا الاعتقاد السائد بين سكان معسكرات الاحتجاج، بأن القوانين الجديدة ستؤدى إلى فقدانهم مزارعهم, مضيفا: «لن أدع مودى يأخذها منا, يجب على الحكومة إلغاء تلك القوانين «السوداء», احتجاجنا سلمى ونعلم أننا سنفوز فى النهاية».

‎هذا الإصرار من جانب المزارعين على مواصلة الاحتجاج, عززه فشل إحدى عشرة جولة من المفاوضات بين المزارعين والحكومة، فى التوصل إلى أى حل وسط, ورغم أن حكومة مودى كانت قد عرضت بعض التعديلات الصغيرة على تلك القوانين المثيرة للجدل, لكن بالنسبة للمزارعين, القضية محسومة, «القوانين السوداء» يجب أن يتم إلغاؤها, وإلى أن يحدث ذلك, فهم مستعدون للبقاء فى هذه المعسكرات.. إلى أجل غير مسمى!

‎بنظرة متفحصة داخل معسكر سينجو, نستطيع القول إن هؤلاء المزارعين يدركون بالفعل ما هم مقدمون عليه, بل ويعدون له العدة, فخلال الأشهر الماضية, دأب المزارعون على إمداد معسكرات الاحتجاج بكل الخدمات التى تلبى احتياجاتهم الأساسية, فقد أنشأوا دورات مياه محمولة, ويتم جلب المياه للشرب والاستحمام, من المحطات المدنية القريبة, كما يضم المعسكر أيضا أكثر من 1500 مطبخ باتت تُعرف باسم اللانجار, وهى مطابخ تم بناؤها داخل الخيام البلاستيكية ومثبتة بالطوب الأسود, تقوم فيها النساء بطهى الوجبات على نار غازية صغيرة فى مقلاة من الحديد, تقدم فيها الأرز والكارى والبريانى والبيتزا, ويتم خبز أكثر من 12 ألفا من الروتى, وهو خبز هندى مشهور مصنوع من دقيق القمح الكامل, كل ذلك مجانا لإطعام المعسكر الكبير.

‎هناك أيضا المركز الطبى المؤقت فى المخيم, والذى يساعد فى علاج المزارعين ويعتنى بالذين أصيبوا باختناق جراء الغاز المسيل للدموع خلال الاشتباكات العنيفة مع الشرطة. أما بالنسبة للتمويل, يقول المزارعون إنهم يعتمدون على عملية بسيطة قد تدعمهم لشهور أو حتى سنوات, ففى قرى البنجاب وهاريانا, تم وضع نظام «التناوب», حيث يحضر 10 مزارعين للاحتجاج, بينما يعتنى البعض الآخر بالمحاصيل والأطفال, وهكذا.

‎هناك أيضا جهود ذاتية لجمع التبرعات من الولايات الهندية المختلفة, كما عرضت مجموعات إغاثة السيخ الدولية المساعدة, حيث وزعت الصابون والنعال وغيرها من الضروريات على المزارعين الذين يصطفون بصبر.

‎يتم بالفعل وضع خطط لكيفية البقاء على قيد الحياة فى الصيف, عندما تصل درجات الحرارة فى دلهى إلى 50 درجة مئوية تقريبا, ومع انقطاع التيار الكهربائى بشكل متقطع عن المخيم من قبل السلطات, تجرى مناقشات حول تركيب الألواح الشمسية، لتوليد الطاقة فى أشهر الصيف الحارة, كما تم ترتيب المراوح ومبردات المياه.

‎مزاج المخيم مبهج, أشبه بمهرجان أكثر منه مظاهرة, وبالنسبة للكثيرين, هناك ساعات من الترفيه عندما لا يساعدون فى إدارة المخيم أو تنظيم المظاهرات, حيث تجلس مجموعة من الرجال فى دائرة يدخنون الشيشة, بينما يلعب آخرون الورق, كما ازدهرت صالات الألعاب الرياضية ومكتبات الكتب الثورية فى جميع أنحاء المعسكر, وهناك أيضا خدمات «تدليك» للجسم والكتفين لأولئك الذين يعانون من آلام بسبب النوم لأشهر طويلة فى الجزء الخلفى من الجرارات.

‎يندفع أطفال صغار عبر المخيم محاولين البحث عن أشياء لبيعها فى مكان آخر, حيث نشر الباعة من القرى المجاورة شارات مؤيدة للمزارعين على البطانيات، ويأتى المتفرجون الفضوليون من المناطق المجاورة لرؤية ما يحدث, لكن كل هذا يكذب السبب الجاد لوجودهم هناك, أن هذه مسألة حياة أو موت بالنسبة للكثيرين.

‎فبينما يسود الهدوء والاسترخاء داخل المخيم, هناك تذكير دائم بأن ليس كل شخص يدعم معركتهم, فالحواجز الكبيرة التى أقامتها الشرطة وتعلوها الأسلاك الشائكة تقف على بعد مئات الأمتار من صخب الحياة فى المخيم, وتطوق المزارعين وتمنعهم من القرب من وسط دلهي, بينما تصطف قوات الأمن على جوانب المخيم وتراقب حدوث أى مشاكل, على الرغم من أنها لم تحاول إخلاء المخيم, على الأرجح لأنها بذلك لن تحظى بالتأييد الشعبى المطلوب.

‎يقول المزارعون إن المتاريس تجعلهم يبدون وكأنهم غرباء, كما لو كانوا أجانب فى أرضهم ولا ينتمون إلى هنا, حيث يقول أحدهم: «الحكومة تعاملنا كما لو كنا صينيين نجلس على الجانب الآخر من السياج», فى إشارة إلى النزاع الحدودى المتوتر الدائر حاليا بين الهند والصين فى جبال الهيمالايا.

‎مع مرور الأشهر, أصبح الاحتجاج أكثر صعوبة, فقد انخفضت درجات الحرارة فى فصل الشتاء إلى أقل من 10 درجات مئوية فى الليل, وتصاعدت التوترات خلال الاحتجاجات, وتم حظر الوصول إلى الإنترنت فى العديد من مناطق الولاية المتاخمة للعاصمة الهندية بعد اشتباكات عنيفة بين الشرطة والمزارعين, غير أن ذلك لم يثبط الروح المعنوية المرتفعة, فدائما كانت هناك بعض الخطب المؤثرة التى ألقاها البعض على خشبة المسرح الكبير واستقبلها الجمهور بحفاوة وتصفيق شديد.

‎شيئا فشيئا, لفت المعسكر انتباه العالم الخارجي, وأصبحت الرقابة الخارجية المتزايدة على الاحتجاجات نقطة مؤلمة للحكومة, التى أصدرت بيانات تحذر من تدخلات المشاهير الأجانب فى الشئون الداخلية, أما بالنسبة للمزارعين, فإن هذه التدخلات كانت مصدر فخر كبير, فقد تم تعليق صور للمطربة الشهيرة ريهانا فى كل مكان داخل المعسكر, بعد أن أصبحت «بطلتهم» حينما لفتت الانتباه إلى قضيتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي, بمشاركتها خبرا مفاده أن «الشرطة الهندية قطعت الإنترنت فى محيط نيو دلهى بعد مواجهات بين المزارعين المحتجين والشرطة», وعلقت المطربة المولودة فى جزيرة باربادوس, على الخبر بتغريدة سألت فيها: «لماذا لم نتحدث عن هذا الموضوع؟»، وأرفقت التغريدة بوسم «احتجاجات المزارعين».

«إنها ابنتنا الصغيرة», هكذا وصفها أحد المزارعين المحتجين, بينما ألقى باللوم على ممثلى بوليوود الذين لم ينحازوا لقضيتهم قائلا: «إنهم يأكلون الطعام الذى ننتجه ثم يصفوننا بالخونة والإرهابيين, متجاهلين قضيتنا», وهو ما دعا بعض المزارعين إلى كتابة عبارات كانت أشبه برسائل وجهوها لهؤلاء الفنانين مثل «لا مزارعين, لا طعام».

‎لاشك أن حركة الاحتجاج من قبل المزارعين فى الهند ــ الذين يشكلون أكثر من 50٪ من القوة العاملة ــ هى الأكثر استدامة منذ وصول مودى إلى السلطة فى عام 2014, وهى أيضا أول حركة لجلب حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم ــ المعروف بقمع المعارضة المدنية ــ إلى طاولة المفاوضات, ورغم ذلك, تعرضت الحكومة لانتقادات كثيرة, ليس فقط بسبب قوانين الزراعة المثيرة للجدل نفسها, ولكن أيضا بسبب كيفية تعاملها مع المظاهرات, ففى نهاية يناير, قال حزب المؤتمر المعارض الرئيسى فى الهند و15 حزبا معارضا آخر, إن رئيس الوزراء مودى وحزبه بهاراتيا جاناتا, كانوا «متغطرسين وحازمين وغير ديمقراطيين فى رد فعلهم تجاه المظاهرات», وكتبوا فى بيان مشترك، إن مئات الآلاف من المزارعين كانوا قد تحدوا البرد القارس والأمطار الغزيرة خلال أشهر من أجل المطالبة بحقوقهم, فما كان من الحكومة سوى أن ردت بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع!

‎الاحتجاجات شائعة إلى حد ما فى الهند, أكبر ديمقراطية فى العالم, وليست هذه هى المرة الأولى التى تهز فيها احتجاجات كبيرة البلاد, ففى عام 2019, أثار قانون الجنسية المثير للجدل، الذى يستبعد المسلمين، احتجاجات مظاهرات حاشدة, لكن هذه الاحتجاجات تمثل تحديا خاصا لمودي, فالزراعة هى المصدر الرئيسى لمعيشة 58٪ من سكان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة, مما يجعل المزارعين أكبر كتلة ناخبة فى البلاد, وقد يؤدى إغضاب المزارعين إلى فقدان مودى جزءا كبيرا من الأصوات فى الانتخابات العامة المقبلة فى عام 2024, وبينما يصف رئيس الوزراء القوانين الجديدة بأنها «لحظة فاصلة» ستضمن تحولا كاملا لقطاع الزراعة, لكنه لم يذكر سبب اختياره تطبيق هذه الإجراءات أثناء الوباء, الذى تسبب فى معاناة الهند لأول ركود منذ عقود.

Source: ‎جولة داخل معسكر احتجاج مزارعى الهند – بوابة الأهرام (ahram.org.eg)

  • 712